الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

100

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عن الآيات ومع ذلك يخرّون على تلقّيها تظاهرا منهم بالحرص على ذلك . وهذا الوجه ضعيف لأنه إنما يليق لو كان المعرّض بهم منافقين ، وكيف والسورة مكية فأما المشركون فكانوا يعرضون عن تلقي الدعوة علنا ، قال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] . وقال : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] . [ 74 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 74 ] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يعنون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه فيدعون اللّه أن يرزقهم أزواجا وذرّيّات تقرّ بهم أعينهم ، فالأزواج يطعنهم باتباع الإسلام وشرائعه ؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في الدين ، والذّريات إذا نشئوا نشئوا مؤمنين ، وقد جمع ذلك لهم في صفة قُرَّةَ أَعْيُنٍ . فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا تقرّ عيون المؤمنين إلّا بأزواج وأبناء مؤمنين . وقد نهى اللّه المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ الممتحنة : 10 ] ، وقال : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ [ الأحقاف : 17 ] الآية . فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقرّة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم ، كما في قول عبد اللّه ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة ، فدعا له المسلمون ولمن معه أن يردّهم اللّه سالمين فقال : لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي * أرشدك اللّه من غاز وقد رشدا فإن في قوله : حتى يقولوا ، حظا لنفسه من حسن الذكر وإن كان فيه دعاء له بالرشد وهو حظّ ديني أيضا ، وقوله : وقد رشد ، حسن ذكر محض . وفي كتاب « الجامع » من « جامع العتبية » من أحاديث ابن وهب قال مالك : رأيت رجلا يسأل ربيعة يقول : إني لأحبّ أن أرى رائحا إلى المسجد ، فكأنه كره من قوله ولم يعجبه أن يحبّ أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير . وقال ابن رشد في « شرحه » : وهذا خلاف قول مالك في رسم